مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

أ.د. حسن رجب

أستاذ الدراسات الصينية. المدير التنفيذى لمعهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس.  

في الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين

التعاون الثقافى  بين مصر والصين.. "معهد كونفوشيوس نموذجًا"



تأتى الذكرى السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين (1956–2026) لتؤكد مجددًا أن هذه العلاقة لم تكن يومًا مجرد ارتباط سياسى عابر، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا يقوم على التفاعل بين شعبين يمتلكان إرثًا ثقافيًا عريقًا ورؤية مشتركة للمستقبل، وإذا كانت السياسة قد فتحت الأبواب، فإن الثقافة والتعليم كانا ولا يزالان القوة الأكثر تأثيرًا فى ترسيخ هذه العلاقة وتعميقها.
لقد تأسست العلاقات المصرية الصينية على قاعدة مبكرة من التعاون الثقافى، تجسدت فى توقيع اتفاقية التعاون الثقافى عام 1956، ثم توالت بعد ذلك خطط التنفيذ والبرامج المشتركة، بما فى ذلك التبادل الطلابى والاعتراف المتبادل بالمؤهلات العلمية، وهو ما أسس لبنية مؤسسية ممتدة جعلت من الثقافة والتعليم أدوات رئيسية للتواصل بين المجتمعين .
وعلى مدار العقود التالية، شهدت العلاقات الثنائية تطورًا نوعيًا، حيث انتقلت من مرحلة التعاون التقليدى إلى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" عام 2014، مع تأكيد متزايد من قيادتى البلدين على أهمية التبادل الثقافى والشعبى بوصفه ركيزة أساسية لهذه الشراكة، 
وفي عام 2016، وبمناسبة مرور 60 عامًا على تأسيس العلاقات المصرية-الصينية، أطلق البلدان "عام الثقافة المصري-الصيني"، الذي شهد إقامة أكثر من 100 فعالية ثقافية وفنية في كلا البلدين، عكست عمق الروابط الحضارية بين الشعبين، كما تضاعف عدد السياح الصينيين إلى مصر في السنوات الأخيرة، وهو ما أسهم في تعزيز الحضور الثقافي الصيني، وتكوين صورة إيجابية متنامية لدى المصريين والعرب عمومًا، بما يعكس نجاح هذا المسار في ترسيخ التقارب الشعبي والثقافي بين الجانبين.
وفى عام 2024، الذى أُعلن عامًا للشراكة المصرية الصينية، جرى التأكيد على ضرورة تعزيز الحوار بين الحضارات وتوسيع مجالات التعاون فى الثقافة والتعليم والشباب، بما يعكس إدراكًا متقدمًا لدور الثقافة فى دعم العلاقات الدولية .
ولا تكمن أهمية هذا المسار فى كثافة الفعاليات الثقافية فحسب، بل فى قدرته على إعادة تشكيل الصورة الذهنية المتبادلة، حيث تتحول العلاقة من مستوى التمثيل الرسمى إلى مستوى التفاعل الشعبى المباشر، عبر الفنون والآداب واللغة.
وفى هذا السياق، تبرز معاهد كونفوشيوس بوصفها أحد أهم تجليات القوة الناعمة الصينية، حيث تمثل مؤسسات تعليمية غير هادفة للربح تُنشأ بالشراكة مع الجامعات المحلية، وتهدف إلى نشر اللغة الصينية وتعزيز فهم الثقافة الصينية، إلى جانب دعم التبادل التعليمى والثقافى بين الشعوب.
وقد شهدت العقود الأخيرة تكثيفًا ملحوظًا في أوجه التعاون الثقافي والتعليمي بين البلدين، حيث تأسس المكتب الثقافي المصري في بكين عام 2011، وافتُتح معهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في جامعة القاهرة عام 2007، وجامعة قناة السويس عام 2008، وجامعة عين شمس عام 2019، إضافة إلى افتتاح فصل كونفوشيوس جامعة الأقصر 2019، وذلك استجابةً للإقبال المتزايد من الطلاب المصريين على تعلم اللغة الصينية، ولم يقتصر دور هذه المؤسسات على التعليم اللغوي، بل امتد ليشكل منصات فاعلة لتعزيز التفاهم الحضاري وتبادل الخبرات الأكاديمية وتنظيم الفعاليات الثقافية، وتقديم الاستشارات التعليمية، وإعداد الكوادر القادرة على التواصل مع الصين فى مختلف المجالات.
ويُعد معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس أحد أبرز النماذج التطبيقية لهذا الدور، حيث تأسس عام 2008 ليكون منارة للثقافة الصينية فى إقليم القناة، ورمزًا حيًا للصداقة المصرية الصينية ، وقد أسهم المعهد فى تلبية الطلب المتزايد على تعلم اللغة الصينية فى الإقليم، من خلال تنظيم دورات تعليمية متخصصة، إلى جانب إجراء اختبارات الكفاءة الدولية فى اللغة الصينية HSK  وHSKK، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الاحترافية الأكاديمية.
كما حقق المعهد إنجازات لافتة على المستوى الدولى، حيث حصل على المركز الأول عالميًا فى نتائج اختبارات الكفاءة بين أكثر من 550 معهدًا، فضلًا عن حصوله على جائزة التميز فى نشر اللغة والثقافة الصينية عام 2019، وهو ما يعكس جودة مخرجاته التعليمية وتميز طلابه .
ولا يقتصر تأثير معهد كونفوشيوس على الحرم الجامعى، بل يمتد إلى المجتمع المحيط، حيث ينظم أنشطة ثقافية متنوعة تشمل الفنون التقليدية الصينية، مثل الخط، والموسيقى، وفنون الووشو، إلى جانب برامج تعليمية للأطفال، ودورات فى التنمية البشرية للعاملين فى الشركات المصرية الصينية، بما يسهم فى خلق بيئة عمل أكثر انسجامًا وتفاهمًا .
كما يضطلع المعهد بدور مهم فى ربط التعليم بسوق العمل، من خلال تنظيم ملتقيات توظيف وتدريب بالتعاون مع الشركات الصينية العاملة فى مصر، وهو ما يعزز من فرص الخريجين ويجعل من تعلم اللغة الصينية أداة عملية للاندماج فى الاقتصاد العالمى.
كما يبرز الدور المحوري الذي يضطلع به معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس بوصفه حلقة وصل فاعلة وجسرًا ممتدًا للتواصل الحضاري والعلمي بين مصر والصين؛ إذ لم يقتصر دوره على نشر اللغة والثقافة الصينية فحسب، بل امتد ليشمل دعم مشروعات تعليمية وتنموية مشتركة ذات أثر مستدام، فقد أسهم المعهد في تعزيز التعاون الذي أثمر عن إنشاء معهد الاستزراع وتكنولوجيا الأسماك بالجامعة عام 2013، كأحد النماذج التطبيقية للتكامل العلمي بين الجانبين، كما كان له دور داعم في تأسيس الكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية عام 2018، التي تمثل منصة متقدمة لإعداد كوادر فنية مؤهلة وفقًا للمعايير الدولية،
 وإلى جانب ذلك، واصل المعهد جهوده لنشر اللغة الصينية في مراحل التعليم قبل الجامعى وإدخال تعليم اللغة الصينية فى مناهج التعليم عام 2022 ، بما يعكس رؤية استراتيجية لتعميق التفاهم الثقافي وبناء أجيال قادرة على التواصل والانفتاح على التجربة الصينية.


وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة فى ضوء الموقع الاستراتيجى للجامعة بالقرب من قناة السويس، التى تمثل محورًا رئيسيًا فى التجارة العالمية، وبوابة لمبادرة "الحزام والطريق". ومن ثم، يصبح التعاون الثقافى والتعليمى جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى دعم التنمية الاقتصادية وتوطين التكنولوجيا وإعداد الكوادر البشرية المؤهلة.
وفى المقابل، يمثل انتشار تعليم اللغة العربية فى الجامعات الصينية بعدًا مكملًا لهذا التعاون، حيث يعكس اهتمام الصين العميق بالعالم العربى، ويُسهم فى إعداد كوادر قادرة على فهم الثقافة العربية والتفاعل معها بعمق.
ويُعد هذا التبادل اللغوى المتوازن أحد أهم ضمانات استدامة العلاقات المصرية الصينية، إذ يُسهم فى تقليص الفجوة الثقافية، وتعزيز التواصل المباشر، وإنتاج معرفة متبادلة قائمة على الفهم لا الوساطة.
وفى ضوء هذا المسار المتراكم، تبدو آفاق التعاون الثقافى بين مصر والصين واعدة، خاصة إذا ما جرى البناء على النجاحات الحالية عبر توسيع برامج الترجمة، وزيادة المنح الدراسية، وتعزيز التعاون البحثى فى مجالات الدراسات الحضارية واللغوية.
كما أن الاحتفال بالذكرى السبعين للعلاقات الثنائية يمثل فرصة لإعادة تقييم هذا المسار وتطويره، بما يواكب التحولات العالمية ويعزز من دور الثقافة كأداة للتنمية والسلام.
ختامًا، يمكن القول إن معهد كونفوشيوس فى مصر، وبخاصة فى جامعة قناة السويس، لا يمثل مجرد مؤسسة تعليمية، بل نموذجًا متكاملًا لدبلوماسية ثقافية ناجحة، استطاعت أن تربط بين اللغة والمعرفة والتنمية، وفى ظل الإرادة السياسية الداعمة من البلدين، يظل هذا النموذج مؤهلًا للعب دور أكبر فى المستقبل، ليس فقط فى تعزيز العلاقات المصرية الصينية، بل فى بناء نموذج عالمى للتعاون القائم على الحوار الحضارى والتفاهم الإنسانى.

أ.د. حسن رجب
  -أستاذ الدراسات الصينية.
  - مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس.
  -عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية.